محمد جمال الدين القاسمي
311
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قصد الاعتذار إلى اللّه تعالى حيث أتت بمولود لا يصلح لما نذرته ، أو تسلية نفسها على معنى : لعل للّه تعالى فيه سرّا وحكمة ، ولعل هذه الأنثى خير من الذكر وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى جملة معترضة أيضا ، إما من كلامه تعالى قصد به معذرتها في التحسر والتحزن ببيان فضل الذكر على الأنثى ، ولذا جبلت النفوس على الرغبة فيه دونها لا سيما في هذا المقام أعني مقام قصد إخلاص النذير للعبادة . فإن الذكر يفضلها من وجوه منها : أن الذكر يصح أن يستمر على خدمة موضع العبادة ولا يصح ذلك في الأنثى لمكان الحيض فيه وسائر عوارض النسوان . ومنها : أن الذكر يصلح لقوّته وشدته للخدمة دون الأنثى فإنها ضعيفة لا تقوى على الخدمة . ومنها : أن الذكر لا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس وليس كذلك الأنثى . ومنها : أن الذكر لا يلحقه من التهمة عند الاختلاط ما يلحق الأنثى . فهذه الوجوه تقتضي فضل الذكر على الأنثى في هذا المقام . واللام في ( الذكر والأنثى ) على هذا الملحظ ، للجنس - كذا ظهر لي - وعلى قولهم اللام للعهد فيهما أي ليس الذكر الذي طلبته وتخيلت فيه كمالا ، قصاراه أن يكون كواحد من الأحبار ، كالأنثى التي وهبت لها . فإن دائرة علمها وأمنيتها لا تكاد تحيط بما فيها من جلائل الأمور . هذا ، وإما أن تكون هذه الجملة من كلامها ، والقصد حينئذ تأكيد الاعتذار ببيان أن الذكر ليس كالأنثى في الفضيلة والمزية ، وصلاحية خدمة المتعبدات ، فإنهنّ بمعزل عن ذلك ، فاللام للجنس . لطيفة : قيل : قياس كونه من قولها أن يكون ( وليست الأنثى كالذكر ) فإن مقصودها تنقيص الأنثى بالنسبة إلى الذكر . والعادة في مثله أن ينفي عن الناقص شبهة بالكامل ، لا العكس . قال الناصر في ( الانتصاف ) وقد وجد الأمر في ذلك مختلفا فلم يثبت عين ما قيل . ألا ترى إلى قوله تعالى : لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ [ الأحزاب : 32 ] ، فنفى عن الكامل شبه الناقص ، مع أن الكمال لأزواج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ثابت بالنسبة إلى عموم النساء ، وعلى ذلك جاءت عبارة امرأة عمران ، واللّه أعلم . ومنه أيضا : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ [ النحل : 17 ] . انتهى . وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ قال المفسرون : هي في لغتهم بمعنى العابدة ، سمتها بذلك رجاء وتفاؤلا أن يكون فعلها مطابقا لاسمها . لكن رأيت في تأويل الأسماء الموجودة في التوراة والإنجيل أن مريم معناه مرارة أو مر البحر . فلينظر . قال السيوطيّ